الغزالي
87
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
18 - باب : في فضل التراحم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يدخل الجنة إلا رحيم » قالوا : يا رسول اللّه ، كلنا رحيم . قال : « ليس الرحيم من يرحم نفسه خاصّة ، ولكنّ الرحيم من يرحم نفسه وغيره » . ومعنى رحمته لنفسه أن يرحمها من عذاب اللّه تعالى بترك المعاصي والتوبة منها ، وفعل الطاعات والإخلاص فيها ، ومعنى رحمته لغيره أن لا يسعى في أذيّة المسلم . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المسلم من سلم الناس من يده ولسانه » . ويرحم البهائم فلا يكلّفها ما لا تطيق . فقد ورد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « بينما رجل يمشي في الطريق ، فاشتد عليه العطش ، فوجد بئرا فنزل بها وشرب ، ثم طلع فإذا كلب يلهث من العطش فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني ، فملأ خفّه ماء ، ثم امسكه بفيه ، فسقى الكلب ، فشكر اللّه تعالى له فغفر له » قالوا : يا رسول اللّه ، إن لنا في البهائم لأجرا ؟ قال : « في كلّ ذات كبد رطبة أجر » . وعن أنس بن مالك قال : بينما عمر رضي اللّه عنه يعسّ ذات ليلة إذ مرّ برفقة قد نزلت ، فخشي عليهم السرقة ، فلقي عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه ، فقال : ما الذي جاء بك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين ؟ قال : مررت برفقة قد نزلت ، فحدّثتني نفسي أنهم إذا باتوا ، ناموا فخشيت عليهم السارق ، فانطلق بنا نحرسهم . قال : فانطلقا فقعدا قريبا من الرفقة يحرسان ، حتى إذا طلع الفجر نادى عمر رضي اللّه عنه : يا أهل الرفقة الصلاة ، حتى إذا رآهم تحرّكوا انصرف . فعلينا أن نقتدي بالصحابة رضي اللّه عنهم ، فقد مدحهم اللّه تعالى بقوله رُحَماءُ بَيْنَهُمْ « 1 » وكانوا رحماء على المسلمين وعلى جميع الخلق ، وكانوا يرحمون أهل الذمة . فقد روي عن عمر رضي اللّه عنه : أنه رأى رجلا من أهل الذمّة يسأل على أبواب الناس ، وهو شيخ كبير ، فقال له عمر رضي اللّه عنه : ما أنصفناك ، أخذنا منك الجزية ما
--> ( 1 ) سورة الفتح ، الآية : 29 .